الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

30

مختصر الامثل

والمراد من جملة « وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ » ، هو أنّ كل شيء في هذا العالم لا يفنى ولا يزول ، فالأعمال الصالحة أو السيّئة تبقى مع الإنسان حتى يرى جزاء ما فعل . حيث إنّ الحق سيظهر وجهه الناصح مهما حاول المغرضون إطفاءه ، كما أنّ وجه الباطل القبيح سيظهر قبحه كذلك ، وهذه سنّة إلهيّة في عالم الوجود . وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ( 6 ) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ( 7 ) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ( 8 ) تأتي هذه الآيات لتواصل البحث عن الكفار الذين كذّبوا الرسول صلى الله عليه وآله ولم يذعنوا للحقّ حيث أعرضوا عن جميع المعاجز التي شاهدوها . والآيات أعلاه تشرح حال هؤلاء الأفراد وموضّحة المصير البائس الذي ينتظر هؤلاء المعاندين في يوم القيامة . يقول سبحانه إنّ هؤلاء لم يعدموا الإنذار والإخبار ، بل جاءهم من الأخبار ما يوجب إنزجارهم عن القبائح والذنوب : « وَلَقَدْ جَاءَهُم مّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ » . وذلك ليلقي عليهم الحجة . والقصد من « الأنباء » الإخبار عن الأمم والأقوام السابقة الذين هلكوا بألوان العذاب المدمّر الذي حلّ بهم ، وكذلك أخبار يوم القيامة وجزاء الظالمين والكفار ، حيث اتّضحت كل تلك الأخبار في القرآن الكريم . ويضيف تعالى : « حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ » . فهذه الآيات حكم إلهية بليغة ومواعظ مؤثّرة ، إلّاأنّها لا تفيد أهل العناد « 1 » . الآية التالية تؤكّد على أنّ هؤلاء ليسوا على استعداد لقبول الحق ، فاتركهم لحالهم وأعرض عنهم وتذكّر يوم يدعو الداعي الإلهي إلى أمر مخيف ، وهو الدعوة إلى الحساب ،

--> ( 1 ) « نذر » : جمع « نذير » ويعني ( المنذرين ) والمقصود بالمنذرين هي الآيات القرآنية وأخبار الأمم والأنبياء الذين وصل صوتهم إلى أسماع الناس .